علي الهجويري

24

كشف المحجوب

معرفة كل أهل المعرفة ، إلّا خواص حضرة الحق . فقد قنع عامة الخلق وخاصتهم منه بالعبارة ، وصاروا شراة بقلوبهم وأرواحهم لحجابه ، وسقط الأمر من التحقيق إلى التقليد ، وأخفى التحقيق وجهه عن زمانهم ، وقنع العوام بذلك ، إذ يقولون : « إننا نعرف الحق » ، ورضى الخواص بالتمنى في القلوب ، وبالهواجس في النفوس ، وبالميل في الصدور . ويقولون - لانشغالهم بالدار الأخرى - : هذا الشوق رؤية ، وهذه الحرقة محبة . وعجز المدعون بدعاويهم عن جملة المعاني وكف المريدون أيديهم عن المجاهدة ، وسموا ظنونهم العليلة بالمشاهدة . وقد كتبت قبل ذلك كتبا في هذا المعنى ، ضاعت كلها . وقد جعل المدعون الكذابون بعض ما فيها مصيدة للخلق ، ومحوا ما بقي ، ومزقوه اربا اربا ، ذلك لأن لصاحب هذا الطبع بضاعة من الحسد وإنكار نعمة اللّه . وفريق آخر قعد ولم يقرأ . وفريق قرأ لكنه لم يفهم المعنى ، وقنعوا بظاهر العبارة ولا علم لهم بما ترمى إليه ، فقد نسخوا صورا منها ، وحفظوها عن ظهر قلب ، وقالوا : « إن في وسعنا أن نتحدث عن التصوف » ، وهم في لب النكران . ذلك أن هذه المعاني أندر من الكبريت الأحمر ، وحينما توجد فهي كيمياء . واعلم أن الحجارة قد صارت منها معدنا ، وصار الصفر ذهبا أحمر ، وفي لجملة فإن المرء يبحث عن الدواء الذي يوافق مرضه ، ولا يجوز له سواه ، كما قال أحد الكبراء : فكل من في فؤاده وجع * يطلب شيئا يوافق الوجعا فالإنسان الذي يشكو علة علاجها يسير ، لا ينفعه الدر والمرجان ، فضلا عن مزج دواء المسك بالبلسان ، وهذا المعنى أعز من أن يكون لكل إنسان منه نصيب . وفيما مضى ساء صنع الجهلة بهذا العلم في كتب المشايخ ، فحينما